هل صناعة الأنمي في تدهور؟ أم تلك مجرد خرافة؟

قالت المطربة المصرية الكلاسيكية (أم كلثوم) سابقًا: “قل للزمان، ارجع يا زمان”. أي قل للزمن أن يعود مرة أخرى، حاملًا عبق الأيام الجميلة وراحة البال، حين كان كل شيء جميلًا وهادئًا ومفعمًا بالحيوية والنضج. وهذه دلالة على أن العصر الحالي بات جافًّا وبه الكثير من الأشياء التي تنغص الحياة وتجعل الإنسان غير مرتاح في الحياة التي يحياها.

يمكن وضع صناعة الأنمي على نفس المقياس يا رفاق. قديمًا كانت صناعة الأنمي تتبع أسلوبًا مُعينًا، والآن باتت تتبع آخر. وكل أسلوب كان يتوافق مع حاجات المجتمع وقتها، ومع التكنولوجيا المُتاحة أثناء صناعة أعمال الأنمي تلك. فبالتالي هذا أثر على مدى انتشار ثقافة المانجا خارج الأقطار المحلية باليابان، وهذا بدوره جعل عدد تصنيفات الأنمي تزيد وتقل حسب الحاجة.

ولهذا في مقال اليوم سوف نتحدث سويًّا عن الأنمي قديمًا، والأنمي حديثًا، محاولين الإجابة على السؤال القابع في عنوان هذا المقال.

صناعة الأنمي قديمًا

بالطبع أنا لم أعش في ذاك العصر، لكن بالتأكيد شاهدت أعمالًا من تلك الحقبة الزمنية الكلاسيكية. بالمُجمل نستطيع القول أن الحقبة الكلاسيكية للأنمي هي كل الأعوام التي سبقت الألفية الثانية، وكل ما بعد عام 2000 هو الحقبة الحديثة من صناعة الأنمي.

تميّزت الحقبة القديمة بالعديد من الأشياء، منها الآتي:

  • الرسم كان واقعيًّا. بالرغم من أن التكنولوجيا وقتها كانت محدودة، فبالتالي الوصول للواقعية شيء صعب، إلا أن هناك بعض أعمال الأنمي أثبتت حقًا أن التكنولوجيا لا تُهم، والمُهم هو جودة الرسّام على الورق. وأحد تلك الأعمال هو أنمي Neon Genesis Evangelion، والذي هو الأقرب إلى قلبي في تلك الحقبة الكلاسيكية.
  • الحبكات كانت واقعية، وإذا كانت خيالية قليلًا كان يدخل عليها تصنيف (الميكا) أو الآلات في الغالب. تميزت تلك الفترة بمُحاكاة الواقع، وكان يتم عمل تلك المُحاكاة عبر أخذ مقاطع سوداء وقاتمة من الحياة الإنسانية، ثم يتم عرضها في قالب الأنمي الأثير. وبالطبع أشهر مثال على ذلك هي أعمال المخرج العظيم (هاياو مايازيكي)، صاحب استوديو (غيبلي) الشهير.

  • كانت تصنيفات الأنمي محدودة مقارنة بالوقت الحالي. بالمُجمل كانت تتمحور تصنيفات الأنمي حول الشونين، السينين، الواقعية، والقوى الخارقة. وآخر تصنيف ذلك هو الذي ابتدعه المانجاكا (آكيرا) صاحب مانجا Dragon Ball الأشهر من نار على علم. لكن الأمر ليس سيئًا في الواقع، فبالمقارنة مع كم الأعمال المُنتج في هذه الفترة، التصنيفات هي شيء ثانوي، فالمُهم هو جودة العمل على كل حال.

لذلك بالمُجمل كان لتلك الفترة طابع كلاسيكي مُميز لا يُمكن أن يُنسى بسهولة، لكن ما الأمر بخصوص الحقبة الحديثة؟ هذا ما سنتحدث عنه الآن!

صناعة الأنمي حديثًا

الحقبة الحديثة هي منذ عام 2000 فأكثر. وتلك الحقبة هي الحقبة التي شملت أكبر عدد ممكن من التصنيفات الفنية المختلفة للأنمي، ويزيد عدد التصنيفات كل فترة، فلا توجد نهاية لها. وكذلك هي الفترة التي اشتهرت فيها صناعة الأنمي خارج اليابان، فبالتالي صارت شهرتها واسعة على مستوى العالم، وهذا جعل الكثير من البشر يهتمون بصناعة الأنمي والمانجا، مما أثراها بدرجة كبيرة جدًا وغير مسبوقة.

وكما تحدثنا عن نقاط تميّز الحقبة القديمة، إليكم نقاط تميز الحقبة الحديثة:

  • بالطبع أول شيء هو التكنولوجيا يا رفاق. التكنولوجيا هي سيدة هذه الحقبة عن جدارة. ببساطة نقلت التكنولوجيا صناعة الأنمي نقلة نوعية تمامًا. سابقًا كان الرسّامون يعتمدون على الرسم اليدوي بنسبة 100%، بينما الآن قلت تلك النسبة بدرجة كبيرة وصار التركيز منصبًا على الرسم والتحريك الإلكتروني. حتى أنه تم إدخال ما يُعرف بالـ CGI أو الصور المصنوعة حاسوبيًّا إلى صناعة الأنمي. وهذا جعل مظهر الرسومات ثنائية البُعد 2D أكثر واقعية وملحمية. فبالتالي تم استخدام التقنية في الكثير من أعمال الحركة والأكشن مثل أنمي Attack on Titan.
  • ثاني شيء هو الغزارة المفرطة في الإنتاج. في العام الواحد يصدر أكثر من 200 أنمي في مختلف فصول ومواسم السنة. ومنها أعمال أنمي محلية، وأخرى أمريكية وتصدر لها دبلجة لليابانية، والكثير بالمنتصف. حتى تصير تائهًا في كل موسم، أشاهد هذا أم هذا أم هذا؟ وتستقر في النهاية على مشاهدة أول حلقة من كل أنمي ثم تُحدد ستتابع ماذا هذا الموسم. هذا بالطبع مُفيد جدًا للصناعة، لكن مُرهق جدًا للمُشاهد ذو الوقت المحدود، خصوصًا أن أغلب مشاهدي الأنمي هم طلّاب يومهم أغلبه في الدراسة والواجبات.

  • وثالث شيء هو أن الصناعة حديثًا اتسمت بالمكسب المادي أكثر من المكسب المعنوي. ببساطة صار الهدف من صنع الأنمي هو تقديم قصة تجعل المُشاهدين يُخرجون ما في جيوبهم من أموال ويُقدموها إلى صنّاع العمل في صورة مجسمات ومُلصقات واكسسوارات مُشتراة هنا وهناك. وأقرب مثال لذلك هو أنمي Attack on Titan. القصة في البداية كانت جيدة، ثم مع الوقت صار المانجاكا يقوم بعمل تغييرات في مسارها من أجل الجمهور، وتم تحريف أحداث من المانجا لخدمة الأنمي ومبيعاته، فبالتالي حافظت المانجا على نسب مبيعات جبّارة، وصارت اكسسوارات الأنمي من مجسمات وحقائب وما إلى ذلك تُباع على مستوى العالم باستمرارية متوحشة. في حين أن القصة تدهورت وصارت بها الكثير من الفجوات.

وأخيرًا، هل صناعة الأنمي في تدهور فعلًا؟

هذا يرجع إلى نظرتك للأمر. إذا كنت تعتقد أن السعي نحو المادة هو سمة العصر، وتكتفي بالحبكات النادرة الجيدة بين الفترة والأخرى، فسوف تقول أن الصناعة مقبولة حاليًّا. لكن إذا كنت من الذين يضعوها في مقارنة مع الصناعة قديمًا، فسوف تقول أنها خالية من الهدف والمعنى، فبالتالي تقول أنها تتدهور فعلًا.

Ahmed Samy
عن الكاتب |
كاتب، بيولوجي، وصانع محتوى، مُهتم بالعلم والفن. مُحب للثقافة اليابانية، خصوصًا فنيّ الأنمي والمانجا.