نظرة أعمق على الحلقة الأفضل من هجوم العمالقة “شمس منتصف الليل” (مراجعات أنمي ماستر)

“يومًا ما جميع مَن تهتمين لأمرهم سوف يموتون في النهاية. إنهُ شيءٌ لا يمكننا تقبّله ببساطة. إنهُ الإدراك الذي يمكنهُ أن يقودك للجنون.. إنهُ أمرٌ مؤلم.. مؤلمٌ للغاية.. أنا أفهم ذلك. لكن مايزال علينا أن نمضي للأمام.”

– الحلقة رقم 18 من الموسم الثالث من أنمي هجوم العمالقة أو كما تُسمى “شمس منتصف الليل” هي حلقة فريدة من نوعها بكل ما تحمله الكلمة من معنى، فكونها حلقة بعيدة تمامًا عن الأكشن والقتالات والعمالقة الأمر الذي قد يضعها لدى البعض في خانة الحلقات المملة، إلاّ أن الأمر كان معاكسًا تمامًا لتلك الفكرة بل حتى يمكننا القول أنها كانت واحدة من أكثر حلقات أنمي هجوم العمالقة إثارة وإرهاقًا للأعصاب، بل يمكنني التمادي في الأمر وإعطائها لقب الأفضل كذلك، وسأضيف لهذا التمادي تماديًا جديدًا بالقول أنها واحدة من أفضل الحلقات التي تم عرضها على شاشة التلفاز بشكل عام وليس على مستوى مسلسلات الأنمي فقط!

ولشرح أسبابي سوف أخوض في كثير من جوانب الحلقة والتشبيهات والكتابات وكذلك الإبداع الإخراجي.

“السطور التالية ستحتوي على شرح مُفصل وحرق لأحداث الحلقة 18 من الموسم الثالث وبعض أحداث أنمي هجوم العمالقة”

أين الموسيقى؟!

تقترب الحلقة من العرض وتستعد لهزّ رأسك تماشيًا مع أغنية المُقدمة.. لكنها لا تظهر! تجد نفسك أمام نفس سطح المنزل  حيث يرقد جثمان “أرمين” وبجانبه “إيرين” يبكي صديقة المُقرب، يظهر Zeke ليزيد من الأمور غموضًا وأسئلة بلا إجابة كل هذا بلا آلة موسيقية واحدة تظهر في خلفية الأحداث!
من المعروف أن فريق التحريك المُكوّن من المخرج ومُصمم الشخصيات والتحريك وغيرها تكون مهمتهم الرئيسية هي بث الحياة داخل تلك الصفحات ذات اللونين الأبيض والأسود للمانجا وتقديمها لنا ملوّنة متحرّكة ناطقة، لكن الأمر ليس بتلك البساطة البدائية وتلك الحلقة خيْر شاهد على هذا. قرار عدم وجود الموسيقى كان قرارًا غاية في الذكاء، كان من السهل جدًا إضافة بعض الموسيقى الحزينة هنا وهناك وبعض مما يزيد من إثارة المشهد لكن قرار Masashi Koizuka بإزالة الموسيقى وإلقاء حمل الحلقة بأكملها على كاهل فريق العمل لتقديم مشاهد صعبة ومثيرة ومتعبة للأعصاب وكذلك فريق الأداء الصوتي الذي سنحتاح وقتًا طويلًا حتى نرى أداءً يمكن أن يُقارن به حتى لو من بعيد، لذا كان الخروج عن المألوف وتقديم حلقة بلا موسيقى إلا في لحظاتها الأخيرة كان أولى نقاط التميز والتفرّد لتلك الحلقة الرائعة.

مَن ستختار؟

وقوع الإختيار بين كل من القائد “إيروين” والجندي “أرمين” كان حكيمًا وخبيثًا كذلك من المؤلف “هاجيمي إيسياما” ، ربما على المستوى العاطفي كثيرون سيختارون “أرمين” كونه عاش معنا تلك الرحلة الشاقة من البداية مكمّلًا  الثلاثي المفضل والمكوّن منه و إيرين و”ميكاسا”، ولكن للحظات إنْ نزعتَ عن قرارك العاطفة ستجد نفسك أمام حيرة كبيرة.. ولسرد أسباب تلك الحيرة تعالوا معنا نرصد بشكل مختصر رحلة الطرفين من البداية وحتى لحظة قرار “ليفاي“.

القائد إيروين سميث

عاش “إيروين” طوال حياته باحثًا عن إجابة لسؤال واحد فقط “كيف لنا أن نتأكد أنه لا يوجد بشر يعيشون خارج الجدران؟” ذلك السؤال الذي ربما أوْدت محاولة إجابته بحياة أبيه، لذا محاولًا إيجاد الإجابة على هذا السؤال كرّس “إيروين” حياته وربما حياة من هم حوله لهذا الهدف، مستغلًا مهاراته في القيادة والخطابة وحتى الكذب، ليبني تحت قدميه جبلًا من جثث أولئك الجنود الذي اتّبعوه بهدف القضاء على العمالقة وإنقاذ ما تبقى من البشرية أو هكذا أقنعهم. ربنا تُظهر كلماتي تلك “إيروين سميث” كالشرير الأناني لكن لا، “إيروين” لم يكن شريرًا لكن ربمًا أنانيًا بعض الشيء وهو ما جعل من شخصيته واحدة من أكثر شخصيات هجوم العمالقة عمقًا وغموضًا وقوة من حيث الكتابة حتى اللحظات الأخيرة.

ربما هدف “إيروين” الرئيسي هو معرفة إجابة سؤاله لكنه بالتأكيد حاله كحال بقية البشر داخل الأسوار كان يحلم بنهاية هذا الكابوس الطويل المُتجسّد في العمالقة، لكن كما قال “كيني” جميعنا يحتاج لشيء يدفعه للأمام حتى نستمر وربما كان دافع “إيروين” لإتمام مهامه كقائد هو حلم طفولته والذي أصبح مركزه هو معرفة ما يوجد في القبو أسفل منزل “إيرين”.

الجندي أرمين أرليرت 


في عالم تُحيط به السوداوية والمستقبل المُظلم من كل جانب كان “أرمين” دائمًا هو نور الأمل في قصة هجوم العمالقة، رغم بدايته كجبان خائف وتحوّله لشجاع ذكي وحتى بطل إلا أن شيئًا واحدًا لم يتغيّر، المحيط.. بركة الماء الكبيرة التي لا تستطيع رؤية نهايتها، ذات المياه المالحة.. يا له من حُلم بسيط لكن الوصول إليه صعب وطويل وعلى الرغم من أن ذلك الحُلم كان بمثابة الأساطير والحكايات لمن هم داخل السور إلا أن “أرمين” كان لديه من الإيمان بحقيقة ذلك المحيط للدرجة التي جعله حلم مشترك بينه وبين “إيرين”.

وهنا يمكننا رؤية مهارة كتابية رائعة كذلك من “هاجيمي إيسياما” بالفارق بيْن كلٍّ من الحُلمين وإن تشاركا في هدف واحد وهو “البحث عن أمل للخروج من ذلك السجن الكبير من الأسوار” إلا أن حُلم “إيروين” كان داخل قبو !.

ليفاي: إن تحقق حُلمك ماذا ستفعل بعد ذلك؟
إيروين: لا أدري سأدرك ذلك حين يتحقق الأمر.

بينما حُلم “أرمين” لم يكن معرفة ما تخبئه أبواب قبو منزل “إيرين” بل هي لحظة الحرية تلك حين يقف أمام المحيط الواسع دون خوف أو خطر.

أرمين: لا بدّ أن العالم الخارجي أكبر بكثير مما عليه داخل الأسوار
إيرين: العالم الخارجي…
أرمين: ما قولك يا إيرين؟ سيكون رائعًا لو استكشفنا العالم الخارجي سويًا يومًا ما.

ولكن نحن نتحدث عن هجوم العمالقة حيث لا مكان للأحلام، كِلا البطليْن واجها اليوم الذي سيتوجّب على كلٍّ منهما الإختيار بين حُلمه وبين الحُلم الأكبر، “إيروين” كان لا يزال يعيش الصراع الداخلي بين رغبته منذ الطفولة وبين واجبه كقائد.. لم يكن قادرًا حتى النهاية على فض ذلك الصراع الداخلي، وهنا يتحدث “هاجيمي إيسياما” أن “إيروين” كان يحكي ما بداخله أمام “ليفاي” أملًا أن يُريحه صديقه القديم ويمنحه تلك السَكينة التي أرادها طويلًا، وهو ما حدث رغم قسوة كلمات “ليفاي” الأخيرة وإعطاءه الأمر لإيروين بالموت إلا أنها كانت كلمات من الرحمة، أخيرًا وللمرة الأولى لم يكن “إيروين” مضطرًا لإتخاذ القرار لم يكن عليه التصرّف بأنانية بعد الآن، اليوم سيُغادر ذلك الجحيم الذي عاش فيه شيطانًا لتكون كلماته الأخيرة لصديقة الوفي:

ليفاي… شكرًا لك

والآن حان دور “أرمين” ذلك الجبان الضعيف الذي صعد درجات سُلم البطولة خطوة تلو الآخرى حتى وَجد نفسه أمام العملاق الكبير واقفًا ثابتًا متحديًا الخوف والموت مدركًا أن عليه ترك حُلمه البريء لغيره، لصديقه المُقرب “إيرين” بينما تلتهم حرارة ونيران بخار العملاق الكبير جسده، ظل متحملًا حتى النهاية.

أنا متأكد من أن “إيرين” سيستطيع الوصول إلى الشاطيء… سيكون عليه أن يراه من أجل كليْنا.

ليفاي

بعيدًا عن كونه واحدًا من أكثر شخصيات أنمي “هجوم العمالقة” شعبية لأسباب مختلفة، إلا أن “ليفاي” هو بلا منازع بطل هذه الحلقة، هو من بيده القرار، هو مَن عليه الإختيار. ربما في بداية الأمر كان واثقًا من قراره بأن “إيروين” هو من يجب أن يعيش كما أنه هو من طلب من “إيرين” أن يبعد مشاعره عن الوضع الحالي وكانت تشبيهًا رائعًا لا أدري هل كان مقصودًا أم لا، ولكن مع التقدّم في الحلقة نجد الدماء على وجهه من قتل العمالقة تتبخّر مع الوقت وكأنها تلك الغشاوة تُزال من أمام عينه حتى يعرف قراره في النهاية، ولكن رغم هذا يمكننا أن نتلمّس مشاعر “ليفاي” في قراره النهائي، فرُغم أن إيروين هو قائده كما أن حياته مهمة للبشرية لكنه كان كذلك صديقه، وفي اللحظة الأخيرة أدرك “ليفاي” الحقيقة… “إيروين” كان يعيش في جحيم مضطرًا لأداء  دور الشيطان فيه من أجل البشرية، من أجل حلمه الشخصي، ولكن ماذا بعد؟ ماذا بعد معرفة سر القبو؟ ماذا حتى لو حصلت البشرية على حريتها؟ ما الذي سيتبقى لإيروين؟ فقط ذكريات من رحلوا بأمرٍ منه…

أكثر ما يثير إعجابي في كتابات “هاجيمي إيسياما” للشخصيات هو إدراكه بشكل كبير للنفس البشريّة والعقل البشري، الإنسان في لحظات موته الأخيرة يقول أو يفعل أكثر ما يشغل عقله، هلوسات وحركات لا إرادية..الخ،  وهو ما حدث بالضبط مع “إيروين” بينما يغادر هذا الجحيم لم يكن في تفكيره شيئًا سوى حلم طفولته… وهنا ولأول مرة منذ بداية الحلقة نسمع الموسيقى وكأنها دلالة على بداية شروق الشمس بعد ليلٍ طويل.

بعد جدال وحرق لأعصابنا نُدرك قرار “ليفاي” النهائي، وعن سببه الذي لا يوجد ماهو أفضل من كلماته بنفسه لتوضيحه:

“هل يمكنني أن أطلب منك مسامحته؟ ما كانت بيده حيلة سوى أن يصبح شيطانًا… نحن من أجبرناه على ذلك. لقد تحرّر أخيرًا من جحيمه، لكننا كنا على وشك إعادته ليُعاني مجددًا. هاقد حان الوقت لنتركه يرتاح!.”

شمس منتصف الليل

الحلقة 18 من الموسم الثالث لأنمي هجوم العمالقة لم تكن فقط حلقة ما بعد المعركة وحصد أعداد الموتي، لكنها كانت نقطة النهاية لقصة بدأت مع موت والدة إيرين،  وكذلك كانت سطر البداية لما سنراه ونعرفه فيما تبقى من حلقات، وفي أحداثها التي ربما تكون قد جرت فقط فوق سطح إحدى المنازل وركزت في محتواها على إجابة سؤال واحد فقط؛ إلاّ إنك مع الوقت تنسى المكان والزمان وتبقى فحسب وجوه الشخصيات وكلماتهم هم أبطال الحلقة دون منازع،
شمس منتصف الليل هي جوهرة التاج لرحلة طويلة لإثنين من الشخصيات الفريدة التي حملت في قلوبها أحلامًا بريئة لكن كل منهم أخذ دربًا مختلفًا للوصول إليها، أي منهم كان الصحيح أي منهم كان الأجدر والأحق بالحياة؟ لا نعرف… سيبقى لكل منا رأيه ونظرته التي ستكون صحيحة بكل الأحوال وهو ما يجعل أي ناتج يخرج منها يحمل في طيّاته غصة وألم وجرح عميق.

في النهاية قد تكون شمس “أرمين” قد أشرقت من جديد، لكن نورها لم يكن كافيًا لإضاءة منتصف ليل موت “إيروين”.

Sherif Saed
عن الكاتب |