ما دور الفلسفة وعلم النفس في صناعة الأنمي؟

حسنًا، توجد عشرات وعشرات التصنيفات المختلفة للأعمال الفنية بداخل صناعة الأنمي، فهي تتفرد بكثرة التصنيفات على كل حال. لكن دائمًا ما توجد بعض التصنيفات تكون هي الأقوى على صعيد الدراما والمأساوية في تجسيد القصص. وتلك التصنيفات هي التي قدمت أفضل الأعمال السوداوية والحزينة في تاريخ الصناعة، مثل فيلم الأنمي Grave of the Fireflies من إنتاج عام 1988 ومن إخارج المُبدع (هاياو مايازاكي).

وتلك الحبكات تعمد إلى الواقعية، وللواقعية بالتأكيد معايير. وأهم تلك المعايير هو معيار علم النفس، ومعيار الفلسفة. الفلسفة هي التي تُحدد توجه الإنسان في الحياة، وعلم النفس هو الذي يضمن الأساس والأرضية التي بَنَتْ عليها الشخصية تلك الفلسفة الخاصة بها.

لذلك اليوم سوف نتحدث عن دور علم النفس والفلسفة في صنع الأعمال الدرامية في صناعة الأنمي العريقة!

تكوين الشخصيات

الشخصيات هي التي تصنع أحداث العمل الفني، وبدون الشخصيات لا توجد أحداث بالتأكيد. والشخصيات تصنع الأحداث عن طريق الأفعال، والأفعال تنبع عن المبادئ، والمبادئ يجب أن تُبنى على أساس مُعين. ذلك الأساس هو الفلسفة.

الفلسفة بالتعريف الاصطلاحي هي “دراسة المشكلات الحياتية والقضايا الهامة مثل الوجود والحياة والموت”. لكن بالتعريف الواقعي، أحب أن أطلق عليها فن احتراف الوجود. فبالتأكيد للوجود غايات كثيرة، يمكن للمرء أن يولد ومعه واحدة أو اثنتان يرثهما من المجتمع، لكن سائر الغايات يجب أن يبحث عنها بنفسه حتى الممات.

لذلك نجد الشخصيات في الأنمي مُنساقة نحو فلسفاتها الخاصة، ببساطة لأنه بدون تلك الفلسفات، ستكون الشخصيات خاوية لا معنى لها على الإطلاق. وليس بالضرورة أن تكون فلسفات نافعة للبشرية، يمكن أن تكون هادمة لها في الواقع. وذلك يتمثل بشدة في فلسفة (ياغامي لايت) من Death Note و (أوتشيها مادارا) من Naruto، وغيرهما الكثير.

ستجد فلسفة الشخصية تتحكم في كل شيء في حياتها وتعاملاتها، والتغيّر في الفلسفات يُعرف بالتصاعد الدرامي. لذلك إذا وجدت شخصية مرّت على الكثير من المراحل الفلسفية في حياتها، فاعلم أنها شخصية متقنة البناء. ويحضرني هنا (كانيكي كين) من مانجا Tokyo Ghoul على سبيل المثال.

بناء الأماكن

هنا يأتي دور علم النفس التشخيصي. عندما تقوم بدراسة شخصية على الصعيد النفسي، فأنت تدرس فلسفتها في المقام الأول، ثم مردود تلك الفلسفة على طباعها الشخصية والنفسية في المقام الثاني. وبناء على ذلك التشخيص النفسي، يكون بناء الأماكن ملائمًا ومناسبًا له بشكلٍ أو بآخر. حسنًا، هذا كلام معقد وكبير، لماذا لا نكسره ونبسطه قليلًا؟

فلنأخذ على سبيل المثال شخصية (شينجي) من أنمي Neon Genesis Evangelion. هذه الشخصية انطوائية ومتوحدة بشدة مع ذاتها، وتخاف من الجميع وتخشى التفاعلات الاجتماعية بكل صورها الممكنة. ونتيجة لذلك، فهي شخصية جبانة جدًا لا تستطيع مواجهة الآخرين بشكلٍ مباشر أو غير مباشر. ونظرًا للعوامل السابقة، فإن الشخصية تميل للعُزلة بدرجة كبيرة، وتُفضل الأماكن الضيقة والمغلقة على الأماكن الواسعة والمفتوحة.

في هذا الأنمي نجد أن الغرف التي يوجد فيها الفتى دائمًا ما تكون ضيقة ومغلقة، فبالتالي تُناسب التركيبة النفسية له. وعندما يُوضع في غرف واسعة، يُبدي إنزعاجه الشديد ورغبته الملحة للعودة إلى الغرفة الصغيرة التي يحبها. لذلك العامل النفسي له تأثير بالغ على كيفية اختيار الأماكن وتوظيفها في الحبكة الدرامية.

ما الأنمي الذي تم تطبيق العاملان فيه بإتقان؟

حسنًا، توجد عشرات الأعمال والأعمال، لكن إذا أردتم رأيي، فأنا أجد أن أنمي The Tatami Galaxy تم تطبيق المعيارين فيه بدرجة شديدة الإتقان والإبهار في الواقع. الأنمي به العديد من أوجه التميز، بداية بالقصة، مرورًا بالرسم، ووصولًا إلى توظيف الفلسفة وعلم النفس بالأحداث.

بطل الأنمي هو (واتاشي)، أي باليابانية يعني (أنا). لذلك البطل ليس لديه اسم صريح، مما يجعل الأمور أكثر تبسيطًا وتجريديّة، والتجريديّة هي إحدى الاتجاهات الفلسفية القديمة. فباتالي يُركز المُشاهد على الذي تقوم به الشخصية، عوضًا عن التركيز على اسمها أو تفاصيلها. وذلك يدعمه الرسم السيريالي (العائم) المميز به (يُواسا)، المُخرج الخاص بالأنمي.

فلسفة البطل هي فلسفات متعددة، وهذا لأن البطل يُظهر لنا احتمالات كثيرة للحياة التي كان يُريد أن يحياها، وفي كل حياة من تلك يظهر بفلسفة مختلفة. لذلك الأنمي دسم جدًا من حيث الأفكار المختلفة والفلسفات المتشعبة لنفس الشخصية الواحدة.

أما بالنسبة للتركيبة النفسية بالنسبة إلى الأماكن، هذا تم توظيفه بدقة متناهية. في الأنمي البطل دائمًا ما يتغنى بروعة غرفة (الـ 4 حصائر ونصف) التي يعيش فيها، وبسبب ضيقها يتشارك الحمام مع سائر السكان. شخصيته من حيث التركيب النفسي هي شخصية تميل إلى العزلة وتحب الانفراد بنفسها والتفكير في كل احتماليات الحياة المختلفة، ولذلك بالطبع أنسب شيء له هو المساحة المغلقة للغرفة ذات الـ 4 حصائر ونصف كما قام الكاتب بتقديمها إلينا في عمله البديع!

وأخيرًا..

بالتأكيد هناك عشرات وعشرات العوامل التي تدخل في صناعة الأنمي، وفقط من ضمنها الفلسفة وعلم النفس. كجزء بسيط جدًا من العناصر المهولة التي تدعمها وتُقويها. لكن اليوم حاولنا تسليط الضوء على هذين العاملين فقط، وتحدثنا عنهما بشيء من التفصيل، مُعطيين أمثلة بالمنتصف يمكن أن تخرجوا منها بترشيحات نضمن لكم الاستمتاع بها بكل تأكيد.

نتمنى أن يكون المقال قد نال إعجابكم، ونراكم في المزيد من المقالات على أنمي ماستر!

Ahmed Samy
عن الكاتب |
كاتب، بيولوجي، وصانع محتوى، مُهتم بالعلم والفن. مُحب للثقافة اليابانية، خصوصًا فنيّ الأنمي والمانجا.