السينما بين الفلسفة، الوعي، وعلم الأعصاب (أجل، الأنمي معنا في المعادلة)

السينما بين الفلسفة، الوعي، وعلم الأعصاب (أجل، الأنمي معنا في المعادلة)

الإنسان ما هو إلا آلة كبيرة لاستقبال المعلومات، معالجتها، ثم ترجمتها إلى خبرة. والخبرة عبارة عن مجموعة أفكار مناسبة للخلفية المعرفية للإنسان، وبناء عليه تقوم بتكوين سلوك خاص له في المستقبل القريب. فإذا عشق أحدهم ممارسة الرياضة (خلفيّة معرفية)، يمكن في يوم أن يرى أحدهم يلعب كرة السلة ببراعة أمامه (فكرة جديدة)، فبالتالي يقرر أنه يريد فعلًا ممارسة تلك الرياضة، فيتوجّه إلى الصالة الرياضيّة ويحجز فترة تدريبية مع مختصّ (سلوك).

السينما بين الفلسفة، الوعي، وعلم الأعصاب (أجل، الأنمي معنا في المعادلة)

فلذلك تقريبًا أي شيء يتعامل معه الإنسان إما يرفضه أو يقبله، وفي الحالتين تتكوّن لديه خبرة، تُترجم لاحقًا إلى سلوك ملموس في أرض الواقع. لكن كل هذا على الصعيد العام والمحدود بالنسبة للمُدخلات المعلوماتية، مجرد موقف أو اثنين على نطاق ضيق. ماذا إذًا عن السيْل المتدفق للمعلومات في صالات السينما وشاشات المنازل؟ أجل، الأمر هنا كبير حقًا.

هذا ما سنُسلط الضوء عليه اليوم سويًّا؛ العلاقة الوطيدة بين السينما، والإنسان. مستعينين بورقة بحثية نُشرت في 2015، وقدّمت رؤية فريدة جدًا بالنسبة لهذا الأمر. تم نشر الورقة البحثية عن السينما في الأساس، لكن بدون شك الأمر نفسه ينطبق على الأنمي، المسلسلات، أو أي منتج بصري آخر يُعرض على شاشة كبيرة (سواء سينما أو منزل) ويكون لها تأثير “انغماسي” على الناس.

تأثير السينما حسب رؤية الفلاسفة

إن هينري بيرغسون واحد من أكبر وأشهر الفلاسفة الفرنسيين حصرًا، ولديه مؤلفات في أكثر من مجال فلسفي، وكلها متداخلة مع العلوم بمختلف تصنيفاتها؛ كان الرجل موسوعيًّا، وليس مجرد صاحب رؤية فلسفية هامة للوجود والحياة. أحد أبرز مؤلفاته هو كتاب (المادة والذاكرة – Matter and Memory)، والذي تحدث فيه عن مجموعة موضوعات تصب في هدف رئيسي واحد: تكوين السلوك.

طرح هينري فكرته بناء على أن هناك وسائل كثيرة لتحفيز سلوك مُعين، وإذا اقترنت بالصور المتحركة، أصبح الأمر قهريًّا أكثر على الدماغ؛ وبات من الأسهل تصديقه، والانسياق خلفه. بالرغم من اهتمام الفليسوف بآليات الربط بين السلوك والطريقة المستخدمة في إحداثه حسب المدرسة الكلاسيكية المبنية على الارتباط الشرطي (مثل تجربة الكلب والجرس، لكن على مستوى أعلى)، إلا أنه وجد تلك الآليات، مقيدة للإرادة الإنسانية الحرّة.

في وقت صدور الكتاب، كانت السينما في منتصف رحلتها، ووصفها الكاتب فعلًا بالوسيلة القادرة على تعويض حريّة الإنسان في اختيار مساره، بالرغم من استناده على كلام للفليسوف البريطاني بيرتراند راسل، والذي كان له رأي معاكس تمامًا لهينري بالنسبة للسينما كفن مُحفِّز للسلوك.

السينما بين الفلسفة، الوعي، وعلم الأعصاب (أجل، الأنمي معنا في المعادلة)

من الناحية الأخرى، وجد راسل أن الفن السابع (سواء عرض أفلام أنمي أو أعمال سينمائية حيّة) قادر على تقديم مفاهيم مكثفة ومباشرة للأطفال، وبذلك يختصرون الكثير من الوقت في الحياة. تلك المفاهيم من ضمنها التعاطف، الحب، الكره، الاهتمام، المؤازرة، وغيرها. قدم راسل أطروحته الفلسفية على أن الفن المرئي مجملًا عبارة عن عملية تعليمية يخوضها المرء بشكل مباشر، وبإرادته الكاملة.

بين كليهما، يجب دائمًا تحكيم المنطق. إذا وجد بيرغسون أن السينما تسحب قدرة الإنسان على تخطيط حياته بنفسه، فهذا يتنافى مع مبدأ كون الإنسان مفكرًا في الأساس. وإذا وجد راسل أن السينما دورها تعليمي فحسب، فهذا يتنافى مع مبدأ أن السلوك يُحفَّز بمؤثر. ولذلك الأرض الوسط هي الحل؛ الفن قادر على تغيير حياة الإنسان للأسوأ أو الأفضل، حسب رؤية الإنسان للمُدخلات القادمة إليه، وطريقة ترجمته لها، وآلية تطبيقه لها.

السينما والوعي

بالنسبة للمخرج جان-لوك غودار، فالسينما عبارة عن فن متعدّد الأبعاد، يمزج بين الصوت، الصورة، والحركة. لكن المثير في الأمر هو أن تلك العناصر (بالإضافة إلى تعديل “مونتاج” الأفلام) يمكن تشبيهها بالوعي مجملًا. فالوعي حسب الفليسوف الأمريكي توماس ناغل ما هو إلا تدارك للواقع من حول الكائن فقط، وهذا التدارك مبني على خبرات سابقة؛ مستقاة بدورها من تفاعل العامل البيولوجي مع العامل البيئي. وهذا ما أوضحه في مقاله (ماذا يعني أن تكون خفاشًا؟ – What is it like to be a bat?)، والذي تحدث فيه عن خفاش يتعرّف على بيئته من خلال الموجات. هنا يقدم الفليسوف وعيًا مشابهًا لوعي البشر، وأتى بهذا المثال على سبيل التبسيط ليس إلاّ؛ ونجح في ذلك فعلًا.

السينما بين الفلسفة، الوعي، وعلم الأعصاب (أجل، الأنمي معنا في المعادلة)

لذلك يمكن القول أن السينما تحاول محاكاة الوعي الإنساني من خلال الصوت والحركة. ولهذا هناك مخرجون في مصاف العباقرة، وآخرون لم يقدموا سوى فيلم واحد، وخبى بريقهم سريعًا. المخرج الذكي هو الذي يستطيع تقديم وعي مختلف مع كل فيلم جديد يقدمه على الساحة. هنا يمكن القول أن الأساليب الإخراجية ربما تكون واحدة، لكن الذي يميز تجربة إخراجية عن الأخرى؛ هو (وعيها) الخاص.

فبدلًا من قَول أن هيتشيكوك قدم تجربة سينمائية إنغماسية من الطراز الرفيع في تصنيف الرعب، أو أن هيدياكي أنو قدم سلسلة أنمي وأفلام Neon Genesis Evangeion في تصنيف السوداوية النفسية، يجب القول أنه قدم وعيًا سينمائيًّا خاصًا. ونفس الأمر ينطبق على مارتن سكورسيزي الذي له أفلام كثيرة في تصنيف العصابات والمافيا. إلا أن كل فيلم له وعي خاص به، ويقدم شيئًا مختلفًا؛ مع أن بصمة سكورسيزي الإخراجية ثابتة ومعروفة.

السينما العصبية: مهد علمٍ جديد

ما تم التحدث عنه منذ قليل، كان تعريفًا للوعي من منظور فلسفي عام، وربما واقعي-احتكاكي أيضًا. لكن إذا نظرنا إلى الأمر من زاوية علمية بعض الشيء، سنجد أن التعريف مختلف تمامًا. علم الأعصاب يرى أي شيء وكل شيء يقوم به الإنسان ظاهريًّا أو باطنيًّا، ما هو إلا إشارات عصبية متبادلة. بعض النظريات تقول أن تلك الإشارات مستمرة بلا هوادة طوال فترة حياة الإنسان، ونظريات أخرى تقول أن جزءً منها هو الذي يعمل باستمرار، بينما الجزء الآخر ينتظر المؤثر الخاص به لكي يقوم بعمله. لكن في الحالتين، يبقى الأمر كله مرهونًا بالخلايا العصبية.

أي أن الوعي (تَدارُك الموجودات من حولنا) ما هو إلا سيال عصبي مشحون بأيونات سالبة وموجبة، ومنتقل من مكان إلى مكان. فإذا توقف السيال العصبي، توقف الوعي؛ وانطفأ الدماغ. فإذا أردنا التأكيد على فرضية خلق السينما لوعي تفاعلي آخر قادر على تحفيز الإنسان للتفاعل مع الشاشة مثلما يتفاعل مع غيره من البشر؛ يجب حتمًا (قياس) ذلك الأمر. العلم لا يعترف إلا بلغة الأرقام، وهنا يأتي دور تجربة هاسون – Hasson التي قام بها في 2008، وقاس فيها تأثير مشاهدة الأفلام على مجموعة من المتطوعين.

السينما بين الفلسفة، الوعي، وعلم الأعصاب (أجل، الأنمي معنا في المعادلة)

قام هاسون بجعل المتطوعين يشاهدون مجموعة أفلام مختلفة، ومنها أفلام ذات قدرة عالية على جذب الانتباه مثل The Good, the Bad, and the Ugly و Bang! You’re Dead، ثم عمل على تسجيل إشارات الدماغ وحركات العيون عن طريق تقنية ISC للتحليل.

كان للمتطوّعين مطلق الحرية في النظر بأي اتجاه يبغونه أثناء المشاهدة، وبينما كانت التجربة مطبقة على أفلام كثيرة، كانت نسبة تسمُّر العيون أمام الشاشة أكبر في الفيلمين المذكورين بالأعلى. والجدير بالذكر أن نشاط الدماغ كان ملحوظًا في المناطق المسؤولة عن البصر، السمع، الاستقبال والتحليل اللغوي، المشاعر، وكذلك المناطق التي تقوم بأكثر من وظيفة في آنٍ واحد.

وهذا إن دل على شيء، فيدل على أن المخرج العبقري جان-لوك غودار كان محقًا، فعلًا السينما فن متعدد الأبعاد، ويستطيع التأثير في المُشاهد بدرجة كبيرة. مجملًا يمكن القول أن أي فيلم هو فعلًا وعي بديل يستطيع الإنسان التفاعل معه مثل الوعي الخاص بأسرته أو رفاقه. ومثله مثل وعي البشر، قد يكون متوافقًا مع وعي الشخص؛ فبالتالي يندمج معه ويحبه؛ أو يكون غير متوافق بالمرة، فيملّ منه بسرعة ويزهده.

السينما العصبية حاليًّا علم قائم بذاته وله دراسات وأبحاث يعتمد فيها الباحثون على عمل اقتران مباشر بين المؤثر (الفيلم) والمتأثر (المُشاهد)، ثم قياس عملية التأثير وتقديم نتائج في كل مرة لا تنفكّ أن تبهر العالم أكثر وأكثر.

Ahmed Samy
عن الكاتب |
كاتب، بيولوجي، وصانع محتوى، مُهتم بالعلم والفن. مُحب للثقافة اليابانية، خصوصًا فنيّ الأنمي والمانجا.