مقالات أنمي ماستر: رُغم الأوقات الممتعة هل تعرفون “الجانب المُظلم” لصناعة الأنمي في اليابان؟

كثير منا يُشاهد حلقات الأنمي في أوقات فراغه، بعد الإنتهاء من العمل أو الدراسة أو أي أمور شخصية، نجلس أمام الحاسب الشخصي الخاص بنا ونبدأ في متابعة الحلقة الجديدة من الأنمي المُفضّل، ربما يكون معك حينها وجبة سريعة أو مشروب ساخن في الشتاء. أجواء رائعة وممتعة دون شك، ولكن تُرى هل راودتك فكرة تخصيص ولو دقيقة واحدة من ذلك الوقت الممتع للتفكير في كيفية إنتاج هذا العمل الذي تشاهده؟ وكيف تم رسم وتحريك تلك الشخصيات بهذه الطريقة المبهرة؟

رغم حصولنا على المتعة والسعادة من وراء مشاهدة أعمال الأنمي الممتازة إلا أنه وكحال معظم صناعة الترفيه حول العالم هناك دومًا جانب مُظلم، ومن ضمن تلك الجوانب هي حياة الأنيميتورز أو “مسئولي التحريك” في عالم الأنمي، وهي فئة تعاني من ظلم كبير أدّى لاقتراب تلك الفئة الموهوبة من التلاشي والإنقراض، ولكن لماذا؟ هذا ما سنحاول في أنمي ماستر ومن خلال الأسطر التالية الإجابة عليه.

قبل جائحة كورونا كانت الإحصائيات تشير إلى أنه في اليابان يتم إنتاج قرابة 200 أنمي بشكل سنوي، وهو عدد ضخم بالنظر لكوْن الأنمي كمُنتَج يتم العمل عليه بشكل يدوي بنسبة كبيرة، بعكس مثلًا أفلام الرسوم المتحركة في الولايات المتحدة التي انتقلت بشكل كامل للرسم المعتمد على تقنية CGI التي تستخدم برامج الحاسوب في الرسم والتحريك.

ولكن ومنذ فترة ليست بالبعيدة بدأت مدارس تعليم الرسم والتحريك للأنمي بإغلاق أبوابها، وأصبحت مهنة التحريك شحيحة في الصناعة رغم أهميّتها ودورها الرئيسي، والأسباب ليست خفيّة على أحد، مرتبات ضعيفة وساعات عمل غير مقبولة وضغط متواصل لتقديم ماهو أفضل، مُعادلة ليست منطقية أو عادلة بل يمكن حتى أن نصفها بالقاتلة.

ربما تعتقد أن وَصف “القاتلة” قد يبدو مبالغًا فيه ولكن مع الأسف هذا هو الواقع، صعوبات صناعة الأنمي ليست بالهيّنة وأكثر مَن يُعاني منها هو فريق التحريك \“Animators” وكمثال على ما يحدث في الصناعة كان حادثة وفاة أحد أعضاء فريق التحريك التابع لستوديو A1 Pictures عام 2010، والذي أثبتت الشرطة حينها أن سبب وفاته هو الانتحار نتيجة ضغوطات العمل غير المقبولة، حيث أقرّت التحقيقات أن الرجل البالغ من العمر 28 عامًا وقت وفاته كان يعمل 600 ساعة في الشهر الواحد! وهو رقم مرعب للغاية، أي أنه كان يعمل لمدة 20 ساعة في اليوم الواحد! وحينها وصف المحامي المسؤول عن القضية ظروف العمل في صناعة العمل بمصطلح غربي معروف باسم “Sweatshop” وهو ما يمكن ترجمته إلى “مَحلّ العرَق” وهو مصطلح يُطلق على أماكن العمل القاسية التي لا تُراعي الظروف الأدمية في العمل والتي كانت منتشرة خاصة في أوقات الحروب العالمية على سبيل المثال وغيرها.

في عام 2017 خسرت صناعة الأنمي كازنوري ميزونو أحد أشهر العاملين في صناعة الأنمي، والذي كان متوليًا أكثر من مهمة طوال 30 عامًا داخل أرجاء الصناعة من إخراج ورسم وتحريك، عمل خلالهم على أعمال ضخمة مثل ناروتو وبليتش وغيرهم، وفي أحد أيام العمل طلب الحصول على راحة لمدة ساعة خلد فيها إلى النوم إلاّ أنه لم يستيقظ أبدًا، كان ميزونو في الـ 52 من عمره وقت وفاته، وتسبّبت الحادثة في حزن الكثيرين من العاملين في الصناعة وأجمع الكثيرين أن سبب الوفاة هو ضغط العمل الذي تعرض له ميزونو وغيره وتأثيره السلبي على الصحة العامة.

المُحزن في الأمر أن غالبيّة إنْ لم يكن جميع من ينضم لتلك الصناعة ويتخصّص في هذا المجال يفعل هذا بدافع الشغف والحب للأنمي وتحقيق لحلم بدأ منذ الطفولة، بعد مشاهدة عمل  فنّي ما خلق بداخل الكثيرين حب أن يكونوا جزءً من تلك المغامرة.

يتحدث شينجو إيداتشي الذي عمل في قسم التحريك وتصميم الشخصيات في سلسلة أنمي Sword Art Online أن عدد الأنميات التي يتم إنتاجها سنويًا ضخم للغاية وعدد العاملين في مجال الرسم والتحريك في تراجع مستمر، لذا تلجأ إستوديوهات التحريك إلى الـ Freelancers أو المتطوعين الذي لديهم شغف ورغبة في العمل في مجال صناعة الأنمي مما يضطرهم لقبول وظائف مؤقتة بشكل مجاني أو بمقابل رمزي أملًا في أن ينضموا بشكل رسمي لفريق تحريك في المستقبل.

وفي حوار ظهر للسطح مؤخرًا عبر قناة Asian Boss على اليوتيوب (لمشاهدة الفيديو أدناه) نشاهد حوارًا مع Nakamura Ayane فتاة شابة لديها شغف كبير بصناعة الأنمي والسبب هو حبها الكبير لأنمي ناروتو، وتحكي عن الظروف الصعبة للصناعة التي تضطر بعد العاملين فيها للبقاء في مقر العمل لأسابيع وحتى لشهر كامل حتى تصير رائحة المكان كريهة نظرًا لانعدام فرصة الاستحمام حتى!

كذلك تحدثت عن الرواتب المنخفضة مقارنة بظروف المعيشة الباهظة في اليابان التي تعاني من تضخم كبير، ولولا وجود نُزل خاص للعاملين في مجال التحريك في الأنمي بأجر منخفض وبتمويل من مواطنين يابانيين لديهم حب وتقدير لصناعة الأنمي ربما لما كانت ناكامورا قد استمرت في تلك الصناعة طويلًا. وبسؤال مُقدمة الحلقة لها إذا كانت تلك الظروف تسبب لها الضيق واليأس كانت إجابة ناكامورا كالتالي:

لا تنتابني تلك المشاعر مطلقًا، رغم معرفتي أنني بالكاد أُسيّر حياتي، لكن قدرتي على الرسم والتحريك كعمل خاص بي يجعلني سعيدة للغاية، وهو ما يجعل أمر المال يأتي لاحقًا!

فيديو الحلقة كاملاً:


ورغم مأساوية هذا المقال ومأساوية هذه الصناعة في بعض الأحيان، فإن أشخاصًا مثل ناكامورا يمكنهم أن يمنحونا بعض الأمل، أنه ربما في يوم من الأيام قد تصل صناعة الأنمي لنهاية هذا النفق المُظلم، إلى نور جديد يضيئه شغف وحب لتلك الصناعة الجميلة.

في جميع الأحوال، في المرة القادمة التي سنشاهد فيها حلقة الأنمي المُنتظَرة، سيكون من اللطيف بحق أن نتذكر هؤلاء من بذلوا العرق والجهد – حرفيًا – لتقديمها لنا.

Sherif Saed
عن الكاتب |

اترك تعليقاً

%d مدونون معجبون بهذه: