مراجعة أنمي Neon Genesis Evangelion: تجربة نفسية وفلسفية مؤلمة

هناك العديد من الأعمال الفلسفية والنفسية في تاريخ صناعة الأنمي العريقة، وكلها تتشارك في صفة واحدة: “تقديم المعارك الإنسانية في صورة الفرد الواحد”. أي بينما توجد حبكة قوية للأنمي، يتم تقديم الصراعات النفسية فيها على المستوى الفردي للشخصيات. فتوجد حربان: حرب القصة، وحرب الفرد. وبالتأكيد يكون التركيز على حرب الفرد أكبر.

وأنمي Neon Genesis Evangelion يشاركهم نفس وجهة النظر، لكن مع التركيز البالغ والقوي جدًا على صراعات الفرد (البطل)، مما يجعل الأنمي تجربة تحليلية للنفس البشرية أكثر من كونها مجرد تجربة تخدش سطح الاضرابات النفسية والاكتئاب والشعور بالحزن والوحدة.

اليوم يا رفاق سوف نتحدث عن هذا الأنمي قليلًا، وفعلًا أتمنى أن تشاهدوه بمجرد أن تُغلقوا هذا المقال. هيا بنا!

* المراجعة خالية من الحرق تمامًا *

القصة:

تبدأ القصة في يومٍ خالٍ من آمارات الحياة تمامًا، حيث يقف الفتى المراهق والخجول (شينجي) على الرصيف تحت أشعة الشمس الحارقة، بينما ينتظر أن يأتي إليه شخص ليُقِّله إلى مكانٍ ما. ذلك المكان الذي سيرى فيه والده بعد سنين طويلة من الترك والنبذ، نظرًا لانشغال الأب في مشاريع حربية عُظمى خاصة بالدولة.

تظهر أمامه سيدة شابة تُدعى (ميساتو) لتقوم بإيصالة إلى حيث يوجد والده، وهناك عرف مدى أهمية الأمر الذي هو بصدد الدخول فيه عبر تحليله لصرامة الإجراءات الأمنية وكون ذلك المكان الغريب تحت الأرض!

الآن يواجهه أبوه بحقيقة أن العالم تقوم بمهاجمته كائنات فضائية عملاقة يُلقبها البشر بالـ (ملائكة). قوتهم باطشة، لكن البشر استطاعوا صنع آلات عملاقة أيضًا تُدعى (مقاتلات إيفانجيليون) للتصدي لهم. ولا يستطيع قيادتها إلى مراهق صغير السن فقط.

تبدأ الأحداث فعلًا عندما يقود (شينجي) إحدى تلك الآلات مُرغمًا، ويتعرف على مراهقين آخرين يقومون بنفسه مهمته. فتى صغير ومخجول وانطوائي يدخل حربًا من أجل البقاء بينما مستقبل البشرية مرتبط بأفعاله، فهل سيكون البطل المغوار؟ أم ستتحول روحه إلى فُتات إثر ذلك الضغط النفسي؟ هذا ما ستعرفوه عند مشاهدة الأنمي.

لماذا هذا الأنمي مميز؟

حلقة الأفكار المغلقة

حاول أن تتذكر معي قليلًا لحظات الضياع النفسي في حياتك. أجل، تلك اللحظات التي تكون فيها مسلوب الإرادة وتجلس منزويًا بجانب أحد حوائط غرفتك وتُفكر في كل شيء سيء مرّ عليك في حياتك، وكل شخص قال لك كلمة سيئة وأحبطك وقال لك أنك لن تصير ولن تكون ولن تصبح أي شيء. كل ذكرى مريرة تتذكرها بمزيج من الحزن والكآبة.

يمكن لتلك المشاهد الحزينة أن تأتي على فترات، أو تأتي دفعة واحدة  وتذهب، أو تأتي دفعة واحدة وتستمر حتى تدفعك للجنون. النوع الأخير هو المُستخدم في هذا الأنمي. فعندما يصل الإنسان إلى أقصى درجات الضياع أو يصل لنقطة الانكسار – Zero Point يبدأ في صنع حلقة الأفكار السوداوية، المُغلقة تلك. واستخدام تلك الآلية للتعبير عن الألم النفسي لهو شيء مُميز بالفعل ولا يمكن نكرانه.

الرمزية وعلم النفس

دون أن أدخل في الكثير من التفاصيل التي يُمكن أن تُعتبر إفسادًا للقصة، سوف أتحدث بسطحية بعض الشيء عن الإسقاطات والرمزية في الأنمي.

هذا الأنمي بالمُجمل يتناول أغلب الاضرابات النفسية المعروفة في علم النفس القديم (الخاص بسيجموند فرويد ورفاقه). بعضها يذكره بطريقة مُباشرة، والبعض الآخر تستنتجه أنت من خلال الأحداث إذا ركزت قليلًا على الشاشة واسترعتك تفاصيل الآلات والسوفت وير الخاص بها وما إلى ذلك.

كما أن الأنمي به عشرات الرمزيات المختلفة، والتي أغلبها ما تكون رمزيّات دينية من ديانات مختلفة تمامًا في الأصل والمنشأ. ولعل الرمزية الأبرز التي لفتت نظري هي (شجرة الحياة)، والتي تم استخدامها في بداية الأنمي بصورة، وفي نهايته بصورة أخرى تمامًا (ستعرفون ما أقصد عند المشاهدة).

 

الشخصيات

إذا أردنا التحدث عن أفضل عنصر من حيث البناء في هذا الأنمي، فبالتأكيد يجب أن نتحدث عن الشخصيات يا رفاق.

الشخصيات تُبرهن على أن الكاتب أدرك كل تفصيلة صغيرة في قصته وما المستوى الذي يجب أن تسير عليه. كل شخصية ردود فعلها منطقية بناء على التركيبة النفسية والمرحلة العمرية الخاصة بها، وأيضًا منطقية مقارنة بالأحداث التي تدور من حولها.

الشخصيات الرئيسية محبوكة بامتياز، لكن الشخصيات الثانوية لا يتم تسليط الضوء عليها كثيرًا. ولهذا في نهاية الأنمي كانت هناك الكثير من التفاصيل غير المفهومة، والتي كي يفهمها المُتابع يجب أن يبحث على الانترنت لفترة طويلة. لكن على الصعيد الآخر باتت لدينا حبكة فلسفية ونفسية من الطراز الأول، تتمحور حول الإنسان وغايته في هذه الحياة، وكيف يمكن للحياة أن تُعرقل وصوله إلى تلك الغاية، أو تُحرِّفها من الأساس إلى غاية أخرى لا تناسبه.

الرسم والتحريك

الأنمي من إنتاج استوديو Gainax بالشراكة مع استوديو آخر، لكن أغلب العمل من حيث الرسم والتحريك وكل شيء كان له الفضل فيه. ليس للاستوديو بصمة كبيرة في عالم الأنمي والمانجا، حيث كرس جهوده كلها لهذا الأنمي بجميع حلقاته الخاصة ومُشتملاته. لكن بالرغم من ذلك أنتج أعمالًا كلاسيكية مُميزة جدًا مثل FLCL و Tengen Toppa Gurren Lagann.

اتسم أسلوب الرسم بالاستخدام الدقيق جدًا للظلال. أغلب المشاهد تعتمد على استخدام إضاءة خافتة، فبالتالي نسبة كبيرة من الظلال والعتمة ستكون متواجدة بالمشهاد، ونتيجة لغزارة السواد تلك، أصبحت المشاهد تَنُم عن الوحدة والبؤس أكثر فأكثر، حتى أنه في نهاية الأنمي سوف تجد أن المشاهد الحماسية والتي يجب أن تنفجر فيها من الحماس، تكون فيها باكيًا وحزينًا مثل الشخصية الموجودة أمامك بفضل التأثير القوي للسواد.

وبالطبع ساعد الرسم هذا التحريك الجيد جدًا مقارنة بسنة الإنتاج (1995)، وكذلك الإخراجي العبقري. كما أنه يجب أن نذكر أن الكاتب والمخرج شخص واحد، وهو العبقري Hideaki Anno.

الموسيقى

كل موسيقى هذا الأنمي في كفة، ومقطوعة Thanatos في كفة أخرى تمامًا!

المقطوعة لها دِلالة (الموت) إذا بحثت عن ترجمتها في محركات البحث، إلا أن المقطوعة نفسها تتسم بمزيج من الحزن والفرح. في النصف الأول تكاد تجزم أن قلبك سوف يُنتزع من صدرك من فرط الحزن. لكن في الثاني تشعر بأن الحياة تستحق أن تحياها. ودِلالة ذلك الاختلاف (من وجهة نظري)، هي أن الموت دائمًا ما تأتي بعده الحياة، ويجب أن نستمتع بالثانية أكثر من حزننا على الأول.

ملاحظة هامة

عندما تُنهي الأنمي ستكون في حالة من البؤس والحسرة، لكن في حالة من الغضب أيضًا. وهذا لأن آخر حلقتين لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يصلُحا كنهاية لهذا الأنمي العظيم، وتلك حقيقة فعلًا. فقد نفذت الميزانية من الاستوديو في أواخر الحلقات، مما أنتج حلقات مبتورة الغاية والهدف.

ولذلك تم إنتاج فيلم تكميلي بديل عن أواخر الحلقات يُعرف باسم The End of Evangelion، وبه النهاية الحقيقية التي أرادها الكاتب والمُخرج للعمل فعلًا. فيلم قصير، لكن دسم ومُكدس بالأحداث والرمزيات كالعادة.

والجدير بالذكر أن هذا الأنمي ذو فكرة أصلية، أي أن الأنمي غير مبني على مانجا أو رواية خفيفة وما إلى ذلك. إلا أنه تم عمل مانجا للأنمي بعد أن لاقى انتشارًا واسعًا في جميع أنحاء العالم. وهذا إن دل على شيء، فيدل على مدى قوته في تقديم الفكرة وإبراز الهدف.

رأي شخصي

أنمي سوداوي جدًا وحزين، وبالتأكيد يدل على براعة البشر في نسج الأعمال الفنية التي تُعبر عنهم بطريقة أو بأخرى. أنمي يستحق المشاهدة والتحليل بكل تأكيد.

نتمنى أن تكون المراجعة قد نالت إعجابكم، ونراكم في المزيد من المراجعات على أنمي ماستر!

Ahmed Samy
عن الكاتب |
كاتب، بيولوجي، وصانع محتوى، مُهتم بالعلم والفن. مُحب للثقافة اليابانية، خصوصًا فنيّ الأنمي والمانجا.